المؤامرة الغربية على العالم العربي.. بين الحقيقة والوهم

على هامش المناظرة التي عقدتها "مبادرة مناظرة" حول الأطروحة " ليس هناك مؤامرة غربية ضد العالم العربي" كتب كمال بوعافية، باحث أكاديمي في الشؤون السياسية و الدولية من الجزائر، المقال التالي ليقول أن "المؤامرة غربية على العالم العربي هو ضرب من الخيال". نشر هذا المقال بتاريخ 22 سبتمبر 2015 على على الرأي اليوم اللندنية.

إن الحديث عن وجود مؤامرة غربية على العالم العربي هو ضرب من الخيال ، قد تستغربون الحكم السريع الذي بدأت به هذا المقال ،لكن هذه هي الحقيقة التي قد تصدم الكثيرين بل معظم الشعوب العربية ،التي أغرق تفكيرها بنظرية الأيادي الخفية و الأيادي الخارجية التي تتربص بنا ليلا نهار، تتآمر علينا لا تريد الخير لهذا الوطن أو ذاك و كأننا اختزلنا العالم كاله في شر مطلق و خير مطلق .
إننا شعوب أشبع تفكيرها بنظرية المؤامرة منذ السنوات الأولى من حياتنا، علمونا أن كل شيء من حولنا مؤامرة نلوم الآخرين على فشلنا ،لا نعترف بالفشل نختبئ وراء ذريعة المؤامرة لنبرر أخفقاتنا في كل المجالات السياسية و اجتماعية و إقتصادية ،حتى أبسط الأشياء لا تسلم من نظرية المؤامرة ،فقد نلوم الوقت على تأخرنا و قد نلوم الطاكسي و الباص عن تأخرنا مثلا عن العمل و حتى النوم نلومه (( أخذني النوم)) العبارة مشهورة جدا عند العرب ،كل شيء نلومه على إخفاقنا إلا أن نلوم أنفسنا .
فبالحديث عن وجود مؤامرة غربية ضد العالم العربي و بالرجوع إلى مفهوم المؤامرة في حد ذاتها فهي تعني” الاتفاق و التخابر السري بين مجموعة أفراد أو كيانات من أجل تنفيذ مخطط ما “و المشكلة عند العرب أننا نعطي لتخطيط أبعادا شيطانية ممزوجة مع الخيال لتظهر في شكل هوليودي قابل لأن يلتقطه العقل العربي ،دون مناقشة و دون حتى ردت فعل و هذا هو مربط الفرس الذي منه أصبحنا نرى الأحداث من منظور سطحي مريح للعقل، أي أن فكرة المؤامرة هي وسيلة لاختزال العقل العربي، بحيث يكون جاهز لتقديم تفسيرات ذاتها صالحة لكل زمان و مكان و لكل الأحداث و بطبيعة الحال هذا شيء غير منطقي بتاتا، لأن الأصل في التفكير العلمي المنطقي هو التحليل الجدلي القائم على تحليل الأحداث
و ما يجري و البحث في الحيثيات و الابتعاد عن العاطفة والنظر لما يجري من المنظور الواقعي لا من المنظور الطوباوي، المبني على أساس الخير المطلق .
فالاستناد إلى فكرة وجود مؤامرة يتعارض مع مفهوم السياسة و طبيعتها و حصرها في حدود أخلاقية معيارية ، بينما في الحقيقة هي التعبير عن المصلحة في حدود أخرى، فالدول الكبرى أو الدول الغربية هي تبحث عن مصالحها في كل دول العالم و ليس عند العرب و هذا هو الأساس في العلاقات الدولية وقد يتساءل البعض عن كيف إذا لا نرى هذا التكالب الغربي إلا على أوطاننا ؟ الإجابة هي أن معظم الأنظمة العربية هي أنظمة تقوم على شخصانية السلطة و اختزال الدولة في الزمرة، العائلة ،الفرد ،و كلما طال عمر هذه الأنظمة كلما اتسعت بينها و بين شعوبها الفجوة و بالتالي يسهل اختراقها من طرف الغرب ، بل أن هذه الأنظمة في حد ذاتها تروج لفكرة المؤامرة الغربية في معظم الأحيان من أجل تبرير بقائها في السلطة ،فبالتالي المشكلة في الوطن العربي هي مشكلة بنيوية جعلت الأنظمة في حالة قطيعة مع المجتمع و حالة تواصل مع الخارج ،أي أنها تلجئ إلى الإدارة بالأزمات بدل إدارة الأزمات و بالتالي أصبحت قوى الخارج بمثابة بعبع تستخدمه الأنظمة العربية من أجل شرعية البقاء ، فالنظام السوري لطالما استعان بفكرة المؤامرة الكونية ضد حكمه “العادل” ، و الأكثر بكثير من ذلك هي أن هذه الفكرة تغذي بتغذية عكسية كل أشكال التطرف التي نراها اليوم “فالتنظيم الدولة الإسلامية”، يتغذى على ثمار المؤامرة الغربية على الإسلام و بالتالي وجب محاربة الغرب بكل الوسائل المتاحة و نسينا أو تناسينا الدول الإسلامية التي تحقق إنجازات علمية و اقتصادية رهيبة و الحديث هنا عن ماليزيا و إندونيسيا و سنغافورة …الخ ، فهذه الدول لا تتعرض “لمؤامرة” غربية ، إذا من يتحدثون عن فكرة المؤامرة على أنها تفسير لما يحدث في الوطن العربي عليهم أن يقدموا لنا البدائل لمواجهة هذا التأمر، حتما سيجدون صعوبة في ذلك لأن فكرة المؤامرة أيضا تفرض قيود و إحباط كبيرين على المواطن العربي مما يجعله يفتقد لإرادة التغير و المواجهة .

Related articles