عودة التمثال

عاد التمثال بعدما أصيبت نخبتنا بالعقر وعجزت عن استنباط مشروع يلف التونسيين حوله... وقف يتفرج على المدن الغارقة لربما لعن هو الآخر من أخرجه من ظلمة القبو... الى شوارعنا التي تغرق في الوحل والأمطار ومياه المجاري هي ذات الشوارع التي غرقت ذات حلم في هتافات الثائرين الغاضبين هي ذات المدن تغرق كل يوم في زحمة السير والشتم واللعن..

أرفع رأسي لأرى القائد يمتطي حصانه هو لا ينظر الينا ولا يرى زحمة السير، لا يسمع أ أصوات المنبهات وضجيج المارة.
القائد لا يعرف ماذا يفعل هنا ولماذا لقد ألف مكانه في القبو هناك حيث قبع ما يقارب ربع قرن يعدما فاجأ الوزير الجنرال شعبه بانقلاب أبيض أواخر الثمانينات
وأخذ على عاتقه مهمة تخليص الشوارع من تماثيل الزعيم والمجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة - كما يحلو له أن يسمي نفسه-
قام الرئيس المنقلب - بن علي- بجمع التماثيل على عجل وأمر بالقائها في أقبية البلديات ومراكز الولايات .
بدت الطرقات موحشة فارغة لكن الوقت لم يكن كافيا لصناعة تماثيل للرئيس الجديد فأمر الرجل بتعليق صوره أين وكيفما اتفق لتغطي عري الشوارع..
قبل بضعة أشهر عاد تمثال الحبيب بورقيبة الى الطريق الرئيسي لبعض الولايات التونسية؛ عاد التمثال بعدما أصيبت نخبتنا بالعقر وعجزت عن استنباط مشروع
يلف التونسيين حوله.
فشل ساستنا أيضا في فرز وتفويض زعيم واحد تهتم الجماهير لأمره يثير اعجابها أو حتى سخطها..
أمام هذا التباعد بين النخب السياسية وعامة الشعب قفزت الفكرة من رأس أحد المستشارين ربما لترتطم بدوار في العاصمة بدءا وتنتقل لاحقا الى ولايات
أخرى..
لا أعرف من الذي جاء بفكرة اعادة التماثيل لكنني أجزم أن الدافع لم يكن الوفاء أو رد الجميل للرجل الذي عالجنا من القمل والسل والطاعون والذي نشر التعليم
وحرر المرأة والذي لولاه لكنا همجا رعاعا نعيش حربا أهلية أو ربما مجاعة كما يدعون
ولربما أنجز بورقيبة بعض ما سبق لكن هؤلاء الذين أعادوا تمثاله في خطوة عبقرية وثورية عجيبة لم يتجرؤوا على زيارة الحبيب بورقيبة خلال الحصار الذي فرضه
النظام السابق عليه في آخر أيامه واختفى جلهم في جنازته.
لكنهم اليوم يعيدون ميتا الى الواجهة ليستر عريهم الفكري والسياسي ويخفي فشلهم في انتاج البديل..
اختبئوا وراء القائد الغائب ونسبوه الى أنفسهم وانتسبوا اليه..
ولو نطق التمثال لقال أنه منهم براء وأن من يحاول تقليد حركات - الحبيب بورقيبة - بطريقة فولكلورية مضحكة ومفضوحة لم يستطع أن يجني شيئا من الشعبية
والاهتمام
التمثال يبدو مرتبكا محشورا في المكان الخطأ والزمان الخطأ..
لا يهمنا أمره ونحن نعاني ما نعاني لنفتك رغيف الخبز ونحصل على الوظيفة لكننا نكره وجوده يأخذ نصف الطريق الرديء دون أن يلقي بالا الى غضبنا ويأسنا
أمس هطلت الأمطار بغزارة وأغرقت مدنا بأكملها لساعات..
ووقف التمثال يتفرج على المدن الغارقة لربما لعن هو الآخر من أخرجه من ظلمة القبو... الى شوارعنا التي تغرق في الوحل والأمطار ومياه المجاري
هي ذات الشوارع التي غرقت ذات حلم في هتافات الثائرين الغاضبين هي ذات المدن تغرق كل يوم في زحمة السير والشتم واللعن..
لا نحن نلتفت الى التمثال ولا التمثال يعرفنا.