انعتاق اللغة

ان للغة خيطا خفيا رفيعا يربطنا بمآسينا التي تغطي الخريطة يشدنا الى حضارتنا وتاريخنا وواقعنا وينساب بسخاء ليكشف هويتنا ويفضح انتماءنا في لحظات الخوف والفرح والحزن والفخر هو ذات الخيط الذي نحاول تمزيقه لنمسك بغيره فيزداد التفافا حول أ عناقنا وهو ذات الخيط الذي يلقي بنفسه نحونا حين تخوننا خيوط الآخرين فيسعفنا تشبثنا به.

تكلم بالفرنسية
« لقد أدهشني مشهد لأم في فضاء تجاري تصفع ابنها الصغير قائلة Parle en français أي تكلم بالفرنسية' حين عبر الطفل المسكين عن رغبته في ابتياع حلوى »
بلغته الأم.
لكنني أتفهم موقف الأم على غرابته، فتصرفها مجرد فعل لا واعي ينم عن خوف عميق على مستقبل طفل داخل مجتمع يصنف أفراده على أساس لغتهم ولكنتهم تصنيفا
سطحيا جائرا يمكن أن يؤثر لاحقا على وظيفته ودخله المادي وعلاقاته ومكانته الاجتماعية.
فالمتفرنسون لغويا يصنفون تلقائيا في خانة المثقفين والنخبويين وحتى أبناء الطبقة البورجوازية الذين يلتحقون بالمدارس الخاصة والجامعات الأجنبية والذين يقضون
اجازاتهم في ممارسة الرياضة الشتوية بأوروبا.
أما نحن من نمسك بخيط لغتنا ونربي ألسنتنا على اجادة النطق ونتخير من الألفاظ أجملها لنكتب به فنصنف داخل المجتمعات القائمة على التمظهر والزيف والتنميط في
خانة الجهلة ومحدودي الدخل وبسيطي التفكير الذين لم تسعفهم مكانتهم الاجتماعية ومعدل ذكائهم لتعلم لغة أجنبية فركنوا الى اللغة العربية. تلك اللغة المملة والتي تحرج
صاحبها وتنفر علية القوم منه، تلك اللغة التي لا تصلح أن تكون أ داة للتبجح الاجتماعي.

ولعل تجريد اللغة العربية من رمزيتها كلغة أم وركن أساس من أركان الهوية العربية هو ما جعلنا نقحمها في رهانات خاسرة منذ
البداية، اذ على عكس غيرها تكتسب اللغة الأم بالتجربة والاحساس وبمعايشة الموقف فنتلقفها بتلقائية وبداهة لتلتصق بجينتنا وتصبح جزءا منا.
ويختزل كل لسان تاريخ شعبه وحضارته وعلاقته بالطبيعة والعالم من حوله
لذلك فإن 'الترجمة خائنة خوانة' كما يقول ابن خلكان، فهي تقتل ما ضمَنه الكاتب من معاني وخلجات ذاتية لا تستطيع سوى لغته الأم أن تستوعبها، فلسان القوم
يشبههم الى حد لا يكمن تخيله.

ان استرجاع اللغة العربية مكانتها المركزية كلغة أم  ومكون أساس من مكونات الهوية يأتي بدءا عبر استرداد ثقة العربي بنفسه
وتصالحه مع ذاته وتحريره من عقدة الخواجة التي تكبله منذ قرون وتجعله في تبعية عمياء متطرفة لكل ما هو أجنبي.
ثم ان معالجة الفقر اللغوي الذي ترزح تحته مجتمعاتنا نظرا لانعدام ثقافة المطالعة وتواضع أعداد المنشورات والكتب القيمة سيعود بالنفع الكبير على اللغة العربية ويساهم
في تطويرها، فاللغات اجمالا تعيش حالة تطور دائم وجب علينا مواكبتها من خلال حركات الترجمة والتعديل المستمر للمعجم العربي، ذلك أن اللغة التي لا تتطور تموت.
وقد ابتلينا بمن يحبون اللغة العربية ويدافعون عنها لكنهم يضرونها وينفرون العامة منها من خلال اصرارهم على اتباع المنهاج القديم في الكتابة واستعمال المقعَر والمسجوع
والغريب من اللفظ، في حين أن الواقع يتطلب تبسيط اللغة تقريبها للمتلقي، حتى يشعر أنها تشبهه فيستسيغها ويقبل عليها.
أما المطمئنون على أن اللغة العربية باقية لأنها تستمد قداستها من القرآن فأذكرهم أن اللاتينية وان كانت لغة الإنجيل فهي اليوم لغة ميتة ويقتصر استعمالها على قراءة
الإنجيل في الكنائس.
لكن انعتاق اللغة العربية الأكبر يبقى رهين قرار سياسي شجاع يقضي بانهاء عهد ازدواجية اللغة، أما ونحن نعيش زمن الشعوب الشجاعة والقرارات السياسية الجبانة
فنحتاج الى تحركات شعبية شعارها 'خبز، هوية، حرية... كرامة وطنية' تجوب الخريطة المغطاة بمآسينا لترتقها بخيط اللغة الخفي